
لا تكون أعراض مرض باركنسون على مستوى ثابت طوال اليوم. فقد تزداد أو تقلّ الرجفة، وتيبّس العضلات وبطء الحركة تبعًا لتأثير الأدوية، وحالة الحركة، ونمط النوم، والخصائص الشخصية للمرض
هذا التغيّر في طبيعة أعراض الباركنسون يدفع إلى تطوير أنظمة أكثر تخصيصًا في علاج “التحفيز العميق للدماغ ” ، بحيث تتكيّف مع احتياجات المريض خلال اليوم. ويبرز التحفيز العميق للدماغ التكيفي، كأحد أهم التطورات في هذا المجال
في أنظمة التحفيز العميق للدماغ التقليدية، يتم تطبيق التحفيز الكهربائي عبر أقطاب تُزرع في مناطق محددة مسؤولة عن التحكم بحركاتنا. وتُحدَّد شدة التحفيز وباقي المعلمات وفقًا لنتائج الفحص المريض، من خلال طبيب أعصاب متخصص يقوم ببرمجتها
قد يساعد هذا العلاج في السيطرة على الرجفة، وتيبّس العضلات، وبطء الحركة، وعلى التقلبات الحركية المرتبطة بالأدوية لدى المرضى المناسبين. لكن حتى لو تغيّرت الأعراض خلال اليوم، فإن النظام التقليدي غالبًا يستمر في إعطاء التحفيز وفق برنامج محدد مسبقًا
في أنظمة الـتحفيز العميق للدماغ التكيفي لا يكتفي التحفيز العميق للدماغ بإعطاء التحفيز، بل يقوم أيضًا بقياس النشاط الكهربائي في الدماغ
تتبع المنظومة إشارات دماغية معينة مرتبطة بمرض باركنسون وضمن الحدود الآمنة ومعايير البرمجة التي يحددها الطبيب للمريض، يمكن للنظام أن يزيد أو يقلل مستوى التحفيز تلقائيًا بناءً على الإشارات التي يلتقطها
بعبارة أخرى في حين يعمل التحفيز العميق للدماغ التقليدي بشكل مستمر وبرنامج محدد مسبقًا، يقوم النظام التكيفي أولًا بمراقبة الدماغ ثم بالاستجابة لحاجة المريض في تلك اللحظة
لذلك يُعرَّف التحفيز العميق للدماغ التكيفي أيضًا بأنه نظام “حلقة مغلقة” لمنبّه الدماغ
تتم ملاحظة النشاط الكهربائي في الدماغ
تُقيَّم الإشارات وفق معايير محددة للمريض
يُضبط مستوى التحفيز بما يتوافق مع الحاجة
يستمر متابعة استجابة الدماغ
ومن المهم التأكيد على نقطة أنّه لا يحدد النظام العلاج بشكل مستقل عن الطبيب. يتم برمجة الإشارة الدماغية التي سيتم متابعتها، وحدود عمل التحفيز، ومعلمات العلاج، بواسطة فريق مختص لكل مريض على حدا
الهدف الأساسي التحفيز العميق للدماغ التكيفي هو تقديم تحفيز أكثر استجابةً وملاءمة لاحتياجات المريض المتغيرة خلال اليوم، مع تخصيص أكبر ويُعتقد أن هذا النهج قد يساهم في
إدارة أكثر توازنًا للتقلبات الحركية،
إطالة فترات “التحسّن” التي تكون فيها الأعراض تحت سيطرة أفضل،
تقليل فترات “التدهور” التي تصبح فيها الحركة أكثر صعوبة،
الحد من التحفيز الزائد عن الحاجة،
تقليل الحاجة إلى التدخل في إعدادات التحفيز لدى المريض
وفي دراسة دولية متعددة المراكز تقيّم الفعالية والسلامة، تم فحص 45 مريضًا لديهم باركنسون في المراحل المتوسطة والمتقدمة والذين استفادوا مسبقًا من علاج التحفيز العميق للدماغ التقليدي
في المرضى الذين استخدموا برنامجًا تكيفيًا بحدّين مختلفين، تم الإبلاغ — مقارنةً بـ التحفيز العميق للدماغ التقليدي — عن زيادة متوسطها 1.3 ساعة يوميًا في وقت “التحسّن” ذي تحكم جيد، ونقصان متوسطهما 1.6 ساعة في وقت “التدهور”. وبعد تقييم مدته 30 يومًا، فضّل 98% من المشاركين الاستمرار بالنظام التكيفي
لكن تجدر الإشارة إلى أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن الـ التحفيز العميق للدماغ التكيفي سيكون أكثر نجاحًا من التحفيز العميق للدماغ التقليدي لدى كل مريض. إذ إن الدراسة أُجريت بعدد محدود من المرضى، ولم تكن بعض المقارنات “مغطّاة” (غير معماة)، لذلك يلزم إجراء أبحاث أوسع نطاقًا وعلى المدى الأطول
لا يزيل لا التحفيز العميق للدماغ التقليدي ولا التحفيز العميق للدماغ التكيفي مرض باركنسون بالكامل أو يوقف تقدّم المرض. تهدف كلتا العلاجات إلى مساعدة المرضى المناسبين على التحكم بالأعراض وتحسين جودة الحياة. كما أن كل مريض باركنسون قد لا يكون مناسبًا لعملية التحفيز العميق للدماغ التقليدي أو لاستخدام التحفيز العميق للدماغ التكيفي.
يجب تقييم ما يلي معًا: عمر المريض، مدة المرض، استجابة المريض للعلاج الدوائي، الأعراض الأكثر بروزًا، الحالة المعرفية والنفسية، صور الدماغ، ونوع الإشارات الدماغية التي يمكن تسجيلها
ولتحقيق علاج ناجح، لا يقل أهمية عن اختيار المريض المناسب: وضع الأقطاب في الهدف الصحيح، وتحديد الإشارة الأنسب، وبرمجة النظام بواسطة فريق ذو خبرة
مرحلة جديدة في علاج التحفيز العميق للدماغ
لم يعد علاج التحفيز العميق للدماغ يقتصر فقط على إعطاء تحفيز كهربائي مستمر لمناطق محددة في الدماغ. فبعد ظهور أنظمة تستطيع تسجيل إشارات الدماغ وضبط التحفيز وفقًا لاحتياجات المريض المتغيرة، تُفتح صفحة جديدة في مجال التعديل العصبي (Neuromodulation)
الميزة الأهم التحفيز العميق للدماغ التكيفي هي قدرته على جعل علاج منبّه الدماغ أكثر تخصيصًا وأكثر ديناميكية. وفي المستقبل، قد يصبح من الممكن إدارة أنظمة التحفيز العميق للدماغ بدقة أكبر عبر إدخال إشارات دماغية مختلفة وبيانات مرتبطة بالحياة اليومية إلى العلاج أيضًا